السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

273

مفاتيح الأصول

بالإخبار بنقيضه أو لا صرّح في النهاية والتهذيب والمنية بالثاني وحكاه في شرح المختصر من المعتزلة فقال هل يجوز نسخه بنقيضه أي بأن يكلف الإخبار بنقيضه المختار جوازه خلافا للمعتزلة ومبناه أصلهم في حكم العقل لأن أحدهما كذب فالتكليف به قبيح وقد عرفت فساده انتهى وكذا حكاه عنهم في المختصر والإحكام أيضا وصرح فيه بأن مبناهم ما أشار إليه في شرح المختصر وصرّح بالأول في المختصر وشرحه والإحكام وحكاه في النهاية عن كافة الأشاعرة على جواز أن يكلَّف الإخبار بنقيض الحق لانتفاء الحسن والقبح عندهم ثم قال وأما ما يتغير فيجوز أن يؤمر بالإخبار بنفي ما أمرنا أن يخبر به مثل أن يأمر بالإخبار بكفر زيد ثم يؤمر بالإخبار بإيمانه وفي هذا الإطلاق نظر والوجه أن يقال يشترط أن لا يتضمن الكذب باجتماع شرائط فيه ثم قال ولا فرق في ذلك بين الماضي والمستقبل وإن كان للمدلول فوائد إجماعا لأن الإخبار بزوالها كذب الرابع من جملة الإخبار الشهادة فيجيء فيها جميع ما تقدم إليه الإشارة الخامس هل يجوز نسخ مضمون الخبر ومدلوله لا الإخبار فيه إشكال والتحقيق أن يقال إن الجملة الخبرية تنحل إلى أقسام منها ما لا يجوز حمله على ظاهره بل يجب حمله على الإنشاء إما على طلب الفعل كما في قوله صلى الله عليه وآله في الوضوء تغسل وجهك ويديك وتمسح رأسك ورجليك أبدا وهذا القسم لا إشكال ولا شبهة في جواز نسخه والظاهر أنه مما لا خلاف فيه وما دلّ على جواز نسخ المأمور به والمنهي عنه يدل على جواز نسخ هذا ومنها ما يمكن حمله على ظاهره من الإخبار ويكون إخبارا عن حكم شرعي ويكون مرجعه إلى الأمر والنهي كما في قوله يجب ويحرم ويندب ويكره وهذا واجب وحرام ومندوب ومكروه وأوجبت وحرّمت وندبت وكرهت والمعتمد جواز النسخ هنا أيضا حيث يكون الظاهر من الجميع إرادة الدوام والتأبيد كما يظهر من الذريعة والغنية والمعارج والتهذيب والنهاية والمبادي وشرحه والإحكام والمعراج وربما يظهر من جملة منها أن في المسألة خلافا ففي النهاية وأما ما يتغير فإن كان أحكاما كالإخبار عن وجوب الحجّ أبدا فإنه يجوز نسخه في المستقبل وإن كان غير أحكام فإنه يجوز نسخها أيضا سواء كانت ماضية أو مستقبلة وإن لم يسم نسخا أما المستقبلة فيجوز أن يخبر اللَّه تعالى بأن يعذر العصاة أبدا فإنه يجوز أن يدلنا بأنه أراد بالتأبيد ألف سنة أما مع الإشعار في ابتداء الخطاب عند أبي الحسين أو مطلقا عند آخرين وأما الماضي فيجوز أن يخبر اللَّه تعالى بأن عمر زيد ألف سنة ويشعر بأنه ما أراد التغير ثم يدلنا أنه عمّر ألف سنة إلا خمسين ومنع مشايخ المعتزلة غير أبي الحسين وجماعة من الفقهاء من نسخ الوعد والوعيد وبعضهم منع من نسخ مدلول الخبر مطلقا سواء كان حكما شرعيّا أو لا وسواء كان ماضيا أو مستقبلا ومنع آخرون من نسخ الماضي دون المستقبل والوجه الجواز مطلقا وفي المنية منع من جواز نسخ الخبر أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما مطلقا وجوّزه أبو عبد اللَّه البصري وقاضي القضاة والسيّد المرتضى وفصّل آخرون فقالوا إن كان مدلول الخبر ما يصح بخبره مثل قولنا الشيء الفلاني واجب أو مندوب أو زيد مؤمن وعمرو كافر جاز نسخه عند تغييرها بالمنع من الإخبار إلا به أو بالإخبار بنقيضه أو لا تغاير الوقت وإن كان مما يمنع بغيره مثل قولنا العالم حادث لم يجز وكذا يجوز نسخه ببيان المراد منه مثل قول عمّر نوحا ألف سنة إلا خمسين وفي الإحكام وأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته فذلك المدلول إن كان مما لا يتغير فنسخه محال وأما إن كان مدلوله مما يتغير سواء كان ماضيا أو مستقبلا كالأخبار ربما وجد من إيمان زيد وكفره أو مستقبلا وسواء كان وعدا أو وعيدا أو حكما شرعيا فقد اختلف في رفعه فذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وأبو الحسين البصري إلى جوازه ومنهم من فصل بين الخبر والماضي والمستقبل فمنعه من الماضي وجوّزه في المستقبل والمختار جوازه ماضيا كان أو مستقبلا انتهى للقول بالجواز مطلقا وجوه أحدها ما تمسّك به في الذريعة فقال اعلم أن النسخ إذا دخل في الأمر والنهي فإنما هو على الحقيقة داخل على مقتضاهما ومتناولهما لا عليهما أنفسهما والخبر في هذا الحكم كالأمر والنّهي لأن مقتضاه كمقتضاهما فإذا كان جواز النسخ في فعل المكلف ما صح لأمر يرجع إلى تغير أحوال الفعل في المصلحة لا لأمر يرجع إلى صفة ولا فرق إذا تغيرت المصلحة بين أن يدل على ذلك من حالها ما هو خبر أو أمر أو نهي وقد بينا أن قول القائل افعل كقوله أريد أن تفعل وإن قوله إنّي أكره أن تفعل وهذه الجملة جواز دخول النسخ في مقتضى الأخبار كما دخل في مقتضى الأمر والنهي انتهى وقد تمسّك أيضا بهذه الحجة في الغنية وأشار إلى ما ذكره في الذريعة وفي النهاية يجوز ذلك لأن المقتضى لنسخ ذلك الحكم إنما هو جواز تغيره من المصلحة إلى المفسدة وهو قائم هنا فثبت مقتضاه وثانيها ما ذكره في النهاية والإحكام فقالا الوجه الجواز مطلقا لأن ما دلّ عليه الأخبار إذا كان متكررا والخبر عام فيه أمكن أن يكون الناسخ مبيّنا لإخراج بعض ما تناوله اللفظ وأن المراد بعض ذلك المذكور كالأمر والنهي وتمسّك في التهذيب وشرح المبادي ففي الأول لأن الناسخ دل على أن المراد البعض كما دل النهي الناسخ للأمر على أن المراد بالأمر البعض وفي الثاني الخبر في تناوله لأفراده المتعدّدة كالأمر فلما جاز في الأمر جاز فيه وثالثها ما ذكره في الذريعة فقال لا شبهة في جواز أن يدل اللَّه تعالى على جميع الأحكام الشرعية بالأخبار ومعلوم أن النسخ لو كان الأمر على ما قدمناه ثابتة في الشريعة فوضح أن الأمر على ما ذكرناه وللقول بالمنع مطلقا وجهان أحدهما ما نقله في النهاية والمنية عن الجبائيين فقالا احتج الجبائيان بأن تطرق النسخ على الخبر يوهم كونه كذبا وأجيب عنه بوجهين الأول ما ذكره في الذريعة و